ابن قيم الجوزية
522
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
فإذا تبين هذا المثل ، فاللّه سبحانه قد اقتضت حكمته : أن ركب الإنسان - بل وسائر الحيوان - على طبيعة محمولة على قوتين : غضبية . وشهوانية . وهي الإرادية . وهاتان القوتان هما الحاملتان لأخلاق النفس وصفاتها . وهما مركوزتان في جبلّة كل حيوان . فبقوة الشهوة والإرادة : يجذب المنافع إلى نفسه . وبقوة الغضب : يدفع المضار عنها . فإذا استعمل الشهوة في طلب ما يحتاج إليه : تولد منها الحرص . وإذا استعمل الغضب في دفع المضرة عن نفسه : تولد منه القوة والغيرة . فإذا عجز عن ذلك الضار : أورثه قوة الحقد . وإن أعجزه وصول ما يحتاج إليه ، ورأى غيره مستبدا به : أورثه الحسد . فإن ظفر به : أورثته شدة شهوته وإرادته : خلق البخل والشح . وإن اشتد حرصه وشهوته على الشيء ، ولم يمكنه تحصيله إلا بالقوة الغضبية ، فاستعملها فيه : أورثه ذلك العدوان ، والبغي والظلم . ومنه يتولد : الكبر والفخر والخيلاء . فإنها أخلاق متولدة من بين قوتي الشهوة والغضب ، وتزوج أحدهما بصاحبه . فإذا تبين هذا : فالنهر مثال هاتين القوتين . وهو منصب في جدول الطبيعة ومجراها إلى دور القلب وعمرانه وحواصله ، يخربها ويتلفها ولا بد . فالنفوس الجاهلة الظالمة تركته ومجراه . فخرب ديار الإيمان . وقلع آثاره . وهدم عمرانه . وأنبت موضعها كل شجرة خبيثة ، من حنظل وضريع وشوك وزقّوم . وهو الذي يأكله أهل النار يوم القيامة يوم المعاد . وأما النفوس الزكية الفاضلة : فإنها رأت ما يؤول إليه أمر هذا النهر . فافترقوا ثلاث فرق : فأصحاب الرياضات والمجاهدات ، والخلوات والتمرينات : راموا قطعه من ينبوعه . فأبت عليهم ذلك حكمة اللّه تعالى ، وما طبع عليه الجبلّة البشرية . ولم تنقد له الطبيعة . فاشتد القتال . ودام الحرب . وحمي الوطيس . وصارت الحرب دولا وسجالا . وهؤلاء صرفوا قواهم إلى مجاهدة النفس على إزالة تلك الصفات . وفرقة أعرضوا عنها . وشغلوا نفوسهم بالأعمال . ولم يجيبوا دواعي تلك الصفات مع تخليتهم إياها على مجراها ، لكن لم يمكّنوا نهرها من إفساد عمرانهم . بل اشتغلوا بتحصين العمران ، وإحكام بنائه وأساسه ورأوا أن ذلك النهر لا بد أن يصل إليه . فإذا وصل وصل إلى بناء محكم فلم يهدمه . بل أخذ عنه يمينا وشمالا . فهؤلاء صرفوا قوة عزيمتهم وإرادتهم في العمارة ، وإحكام البناء . وأولئك صرفوها في قطع المادة الفاسدة من أصلها ، خوفا من هدم البناء . وسألت يوما شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه اللّه - عن هذه المسألة ، وقطع الآفات ، والاشتغال بتنقية الطريق وبتنظيفها ؟ فقال لي جملة كلامه : النفس مثل الباطوس - وهو جب القذر - كلما نبشته ظهر وخرج . ولكن إن أمكنك أن تسقف عليه ، وتعبره وتجوزه ، فافعل ، ولا تشتغل بنبشه . فإنك لن تصل إلى قراره وكلما نبشت شيئا ظهر غيره . فقلت : سألت عن هذه المسألة بعض الشيوخ ؟ فقال لي : مثال آفات النفس مثال الحيات والعقارب التي في طريق المسافر . فإن أقبل على تفتيش الطريق عنها ، والاشتغال بقتلها : انقطع . ولم يمكنه السفر قط . ولكن لتكن همتك المسير ، والإعراض عنها ، وعدم الالتفات إليها . فإذا عرض لك فيها ما يعوقك عن المسير فاقتله . ثم امض على سيرك .